الثلاثاء، 29 أبريل، 2014

الفيلم الإستعراضى فى مصر



الفيلم الإستعراضى فى مصر
مقدمة
         يخلط البعض بين مصطلحات ( الفيلم الموسيقى ـ الفيلم الغنائى ـ الفيلم الإستعراضى ) فيختصرون هذه الأنواع المختلفة فى عبارات مقتضبة .
ويرى الدكتور يوسف الملاخ (1) أن الفيلم الموسيقى :ـ هو نوعية من الأفلام المسلية الخفيفة ، يحتوى على قدر كبير من الرقصات والأغانى ، ويجمع بين سمات الأوبرا كوميك أو الفودفيل فى المسرح .
   أما محمود قاسم (2) فيعرف الفيلم الغنائى بأنه :ـ الفيلم الذى به أغنيات أياً كان الشكل الذى قدمت فيه الأغنية سواء كانت فردية ، أو فى إطار دويتو ( ثنائى غنائى ) ، أو إستعراضات متباينة الضخامة .
   وترى مها فاروق عبد الرحمن (3) أن الفيلم الإستعراضى هو عبارة عن مجموعة من المنوعات تشتمل على أغان ورقصات يربطها موضوع بسيط للغاية لا يحتمل أى أبعاد أو أعماق فكرية ، وغالباً ما يكون موضوعاً كوميدياً أو رومانسياً فى قالب هزلى .
ويرى الناقد سامى السلامونى (4) أن أهم شروط الفيلم الإستعراضى :ـ أن يكون البناء الدرامى كله قائماً على الإستعراض بحيث لا يقفز الناس ويغنون فجأة بدون مناسبة وبدون ضرورة درامية ، ولمجرد أن يبدو الفيلم كوميدياً إستعراضياً ظريفاً
ويتميز الفيلم الإستعراضى عن الفيلم الغنائى فى إحتوائه على أكثر من مشهد إستعراضى ، ويعتمد على الرقص الفردى أو الجماعى ، ويتوازن فيه أحياناً الغناء والرقص .




تطور الفيلم الإستعراضى المصرى
إذا كانت السينما العالمية قد قدمت العديد من الأعمال الإستعراضية مثل ( قصة الحى الغربى ـ كل هذا الجاز ـ مولان روج ) فإننا نلاحظ تمكن صناع السينما فى هوليوود من تطوير مضمون الفيلم الإستعراضى ، وهو ما يظهر لنا من خلال فيلم ( chicago ) والذى تم إنتاجه عام 2002 ، وحصل على عدة جوائز أوسكار منها أفضل فيلم وأفضل ممثلة مساعدة ، حيث عبر العمل عن مدى تأثير وسائل الإعلام على أحكام القضاء الأمريكى فى بدايات القرن الماضى .
وإذا كانت عروض البالية والرقص الحديث تفرض بإيقاعها الحركى مواصفات محددة للراقصين من الشباب والفتيات ، فإن هذا الفيلم يغير هذه الصورة تماماً ، حيث تقوم السجانة الزنجية البدينة بأداء إستعراض يلخص للمتلقى طبيعة شخصيتها .
وعلينا أن نجزم بوجود إختلاف واضح بين عناصر الإستعراض فى الفيلم المصرى ونظيره الأجنبى ، وذلك إستناداً على ما تقرره مها فاروق (5) بأن هذه العناصر تتشكل من المطرب والراقصة وعدد من الأصوات المساعدة ، بالإضافة إلى مجموعة ( الكومبارس ) وهى تتكون عادة من الراقصين والراقصات ، يقومون أحياناً بترديد بعض الكوبليهات ، حيث يبدو هذا التعريف للمشاهد المتمرس أقرب إلى فكرة الكبارية المبتذل ، وهو ما يظهر لنا من خلال العديد من الأعمال فى السينما المصرية مثل فيلم (حب وجنون) بطولة (محمد فوزى ـ تحية كاريوكا) وفيلم عفريتة هانم بطولة (فريد الأطرش ـ سامية جمال) ، وإذا كان الإهتمام بالإستعراض يظهر داخل بعض التجارب السينمائية التى أنجزها المخرج والممثل الراحل أنور وجدى مثل فيلمى ( دهب ـ ياسمين ) ، فإن المتأمل لهذه الأعمال سيلاحظ حرص المخرج على إعطاء الإستعراضات حساً فكاهياً واضحاَ ، وهو ما يظهر فى إستعراض ( البلياتشو ) فى فيلم دهب ، حيث قام الفنان الراحل إسماعيل ياسين بإضفاء حالة من المرح عليه ، عن طريق توظيفه لطبقة صوته وتعبيرات وجهه .
وفى عام 1950 تم عرض فيلم بابا عريس للمخرج حسين فوزى ، والذى يشير مدير التصوير سعيد شيمى (6)  إلى أنه أول فيلم مصرى ملون بالكامل ، ويحتوى هذا العمل على إستعراض عنوانه (دكان العرايس) ، ويرى الناقد سامى السلامونى (7)
أنه إستعراضاً جميلاً ومتقدماً جداً بالنسبة لإمكانيات تلك الأيام ، ويتحدث عنه قائلاً فالإستعراض إذاً كان يقوم على فكرة أقرب إلى القصة المحكمة ، وعلى التنوع السريع بين الحركة والموسيقى المناسبة لها ، وعلى تغيير المناظر والملابس والشخصيات وثراء الديكورات وعدد الرقصات ، ولكن هذه المزايا هى نفسها عيوب حسين فوزى فى معظم إستعراضاته ، لأنها سينمائية أساساً ولا يمكن تنفيذها على المسرح .
وعلى جانب أخر خاض المخرج حسن الإمام ، والذى قدم العديد من الأعمال التى تنتمى إلى تيار الميلودراما مثل ( الجنة تحت قدميها ـ القضية المشهورة ـ غضب الوالدين ـ  إبن مين فى المجتمع ) تجربة الفيلم الإستعراضى من خلال فيلم ( إضراب الشحاتين ) والذى تم إنتاجه عام 1967 ، ويعرض صورة لتناقضات المجتمع المصرى عام 1923 ، حيث تم تحويل المواقف الحوارية إلى جمل غنائية .
ومع إنتشار الألوان فى السينما المصرية ظهرت العديد من الأفلام الإستعراضية مثل            ( غرام فى الكرنك ـ أجازة نصف السنة ) والتى إشترك فيها أعضاء فرقة رضا للفنون الشعبية ( فريدة فهمى ـ محمود رضا ـ هناء الشوربجى ) ، وفى عام 1969 قدم المخرج حسين كمال فيلم ( أبى فوق الشجرة ) ، والذى إحتوى على إستعراض يحمل إسم ( قاضى البلاج ) ، ويتحدث مدير التصوير سعيد شيمى عن دور الألوان فى هذا الفيلم قائلاً (8) :ـ أتوقف كثيراً فى تفكيرى عندما أحلل الألوان فى فيلم ( أبى فوق الشجرة ) ، وسبب وقفتى تلك التلقائية فى تناوله لإستعمال الألوان وبشكل كبير ، ودائماً السؤال الذى يدور فى ذهنى هل إقترب وحيد فريد ( مدير تصوير الفيلم ) فى إستعمالاته اللونية من إسلوب الوحشية فى الفن التشكيلى .
ونحن نلاحظ ظهور الإستعراضات فى أعمال تحتوى على موضوعات جادة ، مثل فيلم ( بدور ) للمخرج نادر جلال والذى إحتوى على إستعراض داخل الوكر الخاص بالعصابة التى تنتمى إليها بطلة الفيلم ( نجلاء فتحى ) على الرغم من أن أحداث العمل تدور فى الفترة التى تسبق حرب السادس من أكتوبر ، والتى يشترك فيها البطل ( محمود ياسين ) ، وقد أشار الدكتور عبد المنعم سعد (9) إلى وجود تشابه بين هذا الإستعراض وأحد الإستعراضات الموجودة فى الفيلم الإنجليزى ( أوليفر ) ، ونرى أن قيام المخرج وهو نفسه كاتب السيناريو بوضع هذا الإستعراض ضمن الأحداث ، إنما يرجع إلى رغبته فى جمع أكبر قدر من المشهيات التجارية فى فيلم واحد ، حيث يسكن البطل فى منزل تعيش بداخله راقصة ، كما تنشأ فى النصف الثانى من العمل مشاجرة بين العصابة وأهل الحارة الأبرار ، وعلى جانب أخر فإن المشهد الأخير من فيلم ( أيام صعبة ) للمخرج فادى فاروق 2009 ، يشهد قيام البطل ( هشام عبد الحميد ) بأداء رقصة يعتمد خلالها على تعبيرات وجهه وجسده ، إبتهاجاً بنجاحة فى الكشف عن المجرم الحقيقى ، والذى قام بقتل إبنه الوحيد .
وفى عام 1975 قدم المخرج حسين كمال فيلم ( مولد يا دنيا) ، والذى إحتوى على عدد من الإستعراضات مثل ( شبيك لبيك ـ الحلو والنبى ) ، ويرى مدحت محفوظ (10 ) أنه فيلم موسيقى كبير نسبياً ، وجيد جداً بالمقاييس المصرية فى الإستعراض والغناء ، ويتحدث الناقد سامى السلامونى عن الفيلم (11) قائلاً  :ـ ولكن عندما يكرر حسين كمال التجربة فى ( مولد يا دنيا ) فإنه يقترب أكثر مما يمكن أن يكون قصة أو فيلماً إستعراضياً حقيقياً ، لأنه يقدم هذه المرة قصة فرقة إستعراضية أولاً ، ومن هنا يصبح الغناء والرقص وظيفة طبيعية فى بناء الفيلم ، ثم لأنه يقيم جزءاً مهماً من مسار الحدوته نفسها على الأغانى والرقصات .
وفى عام 1976 وظف المخرج يوسف شاهين الإستعراض للتعبير عن علاقة الفرد بالسلطة من خلال فيلم ( عودة الإبن الضال ) والذى إحتوى على إستعراضين قام بكتابتهما الشاعر ( صلاح جاهين ) هما ( الساعة ـ الشارع لمين ) ، وفى عام 1986 تجدد التعاون بين هذين العملاقين فى إستعراض ( حدوته حتتنا ) والذى قام بأدائه الممثل محسن محيى الدين فى فيلم ( اليوم السادس ) ، ويشهد عام 1990 عرض فيلم ( إسكندرية كمان وكمان ) ، والذى إحتوى على عدة إستعراضات ، إرتدى الراقصين خلالها ملابس تنتمى إلى عصور سابقة مثل ( الفرعونى ـ اليونانى ـ الرومانى ) .
كما قدم المخرج شريف عرفة تجربتين فى هذا المجال هما ( سمع هس ـ يا مهلبية يا ) ، وامتازت هذه الأعمال بطابعها الفانتازى الذى يصيغه ببراعه السيناريست ماهر عواد ، وإذا كان عام 2004 قد شهد إستعراض قام به راقص البالية أحمد يحيى فى فيلم إسكندرية نيويورك ، فإن المخرج خالد الحجر قد خاض تجربة إخراج عمل سينمائى يحتوى على عدة مواقف غنائية عام 2007 ، وذلك من خلال فيلم ( مفيش غير كدة ) .
أما بالنسبة للإسلوب الخاص بتقديم الاستعراضات على شاشة السينما ، فيرى المخرج سمير سيف (12) أن المخرج السينمائى يقوم باستخدام أكثر من كاميرا عند تصوير الأغانى و الإستعراضات ، وبالتالى فإن فكرة تطابق الحركات من لقطة لأخرى موجودة بالطبع بين كاميرا وأخرى ، لأن التصوير بين جميع الكاميرات يتم فى وقت واحد ، وتؤكد الدكتورة سلوى بكير (13) أن أهم المشاكل التى تواجه المونتير فى الأفلام الإستعراضية هى عدم تزامن الصوت مع الصورة ، وإسلوب علاج هذه المشاكل يكمن فى مهارة المونتير عندما يقوم بالهروب من تلك المشكلة ، والقطع على تفصيلات من داخل نفس المشهد .
ولعل أغلب المشكلات التى تواجه الفيلم الإستعراضى المصرى ، وتتسبب فى عدم وصوله إلى مستوى يقارب به الأعمال الأجنبية ، تتمثل فى :ـ
1ـ قلة الكفاءات الفنية المتخصصة والتى تتعامل مع السينما كفن وليس كتجارة .
2ـ عد تحقيق الأفلام الإستعراضية لإيرادات تذكر ، وهو ما تسبب فى تغيير بعض المخرجين لمسارهم الفنى ، رغبة منهم فى الحفاظ على تواجدهم فى الحقل السينمائى .
3ـ تحولت الأفلام الإستعراضية إلى ما يشبه المغامرة الفنية ، وهو ما يتضح من خلال قيام المخرج شريف عرفة والسيناريست ماهر عواد بإنتاج فيلم سمع هس ، وقيام الفنانة ليلى علوى بإنتاج فيلم يا مهلبية يا ، أما بالنسبة لتجارب المخرج يوسف شاهين ففنان الفيلم ، فى هذه الحالة ، لا يهمه الرواج التجارى المؤقت للعمل ، نظراً لإعتمادة على التمويل الأجنبى والبيع للمحطات الفضائية العالمية .





قائمة المراجع
1ـ يوسف الملاخ ، د. : المونتاج السينمائى فى الأغنية والإستعراض ( القاهرة ، الهيئة العامة لقصور الثقافة ، سلسلة أفاق السينما ، 2004 ) ص18 .
2 ـ محمود قاسم : الكوميديا والغناء فى الفيلم المصرى ، الجزء الثانى : نجوم المشهد الغنائى فى تاريخ السينما المصرية (  القاهرة ، المركز القومى للسينما ، سلسلة ملفات السينما 13 ، 1999 ) ص1 .
3ـ مها فاروق عبد الرحمن : أزياء الإستعراض فى السينما المصرية ( القاهرة ، الهيئة العامة لقصور الثقافة ، سلسلة أفاق السينما ، 2002 ) ص22 .
4 ـ يعقوب وهبى : الأعمال الكاملة للناقد سامى السلامونى ـ الجزء الثالث (القاهرة ، الهيئة العامة لقصور الثقافة ، سلسلة أفاق السينما ، 2001 ) ص124 .
5ـ مها فاروق عبد الرحمن : أزياء الإستعراض فى السينما المصرية ، مرجع سابق ، ص23 .
6 ـ سعيد شيمى : تاريخ التصوير السينمائى فى مصر 1879ـ 1996 (القاهرة ، سلسلة ملفات السينما 6 ، المركز القومى للسينما ، 1997 ) ص171.
7 ـ يعقوب وهبى : الأعمال الكاملة للناقد سامى السلامونى ـ الجزء الرابع (القاهرة ، الهيئة العامة لقصور الثقافة ، سلسلة أفاق السينما ، 2002 ) ص539.
8 ـ سعيد شيمى : إتجاهات الإبداع فى الصورة السينمائية المصرية (القاهرة ، المجلس الأعلى للثقافة ، 2003 ) ص238 .
9ـ عبد المنعم سعد ، د. : السينما المصرية فى موسم 1974 ( القاهرة ، توزيع : الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1975) ص 98 ـ 99 .
10ـ مدحت محفوظ: دليل الأفلام  ( القاهرة ، الناشر:ـ مكتب المؤلف ، 1998) ، ص361
11 ـ يعقوب وهبى : الأعمال الكاملة للناقد سامى السلامونى ـ الجزء الثانى (القاهرة ، الهيئة العامة لقصور الثقافة ، سلسلة أفاق السينما ، 2001 ) ص18.
12ـ يوسف الملاخ ، د. : المونتاج السينمائى فى الأغنية والإستعراض ، مرجع سابق ، ص114 .
13 ـ المرجع السابق ، ص138 .