الثلاثاء، 29 أبريل، 2014

الفيلم الإستعراضى فى مصر



الفيلم الإستعراضى فى مصر
مقدمة
         يخلط البعض بين مصطلحات ( الفيلم الموسيقى ـ الفيلم الغنائى ـ الفيلم الإستعراضى ) فيختصرون هذه الأنواع المختلفة فى عبارات مقتضبة .
ويرى الدكتور يوسف الملاخ (1) أن الفيلم الموسيقى :ـ هو نوعية من الأفلام المسلية الخفيفة ، يحتوى على قدر كبير من الرقصات والأغانى ، ويجمع بين سمات الأوبرا كوميك أو الفودفيل فى المسرح .
   أما محمود قاسم (2) فيعرف الفيلم الغنائى بأنه :ـ الفيلم الذى به أغنيات أياً كان الشكل الذى قدمت فيه الأغنية سواء كانت فردية ، أو فى إطار دويتو ( ثنائى غنائى ) ، أو إستعراضات متباينة الضخامة .
   وترى مها فاروق عبد الرحمن (3) أن الفيلم الإستعراضى هو عبارة عن مجموعة من المنوعات تشتمل على أغان ورقصات يربطها موضوع بسيط للغاية لا يحتمل أى أبعاد أو أعماق فكرية ، وغالباً ما يكون موضوعاً كوميدياً أو رومانسياً فى قالب هزلى .
ويرى الناقد سامى السلامونى (4) أن أهم شروط الفيلم الإستعراضى :ـ أن يكون البناء الدرامى كله قائماً على الإستعراض بحيث لا يقفز الناس ويغنون فجأة بدون مناسبة وبدون ضرورة درامية ، ولمجرد أن يبدو الفيلم كوميدياً إستعراضياً ظريفاً
ويتميز الفيلم الإستعراضى عن الفيلم الغنائى فى إحتوائه على أكثر من مشهد إستعراضى ، ويعتمد على الرقص الفردى أو الجماعى ، ويتوازن فيه أحياناً الغناء والرقص .




تطور الفيلم الإستعراضى المصرى
إذا كانت السينما العالمية قد قدمت العديد من الأعمال الإستعراضية مثل ( قصة الحى الغربى ـ كل هذا الجاز ـ مولان روج ) فإننا نلاحظ تمكن صناع السينما فى هوليوود من تطوير مضمون الفيلم الإستعراضى ، وهو ما يظهر لنا من خلال فيلم ( chicago ) والذى تم إنتاجه عام 2002 ، وحصل على عدة جوائز أوسكار منها أفضل فيلم وأفضل ممثلة مساعدة ، حيث عبر العمل عن مدى تأثير وسائل الإعلام على أحكام القضاء الأمريكى فى بدايات القرن الماضى .
وإذا كانت عروض البالية والرقص الحديث تفرض بإيقاعها الحركى مواصفات محددة للراقصين من الشباب والفتيات ، فإن هذا الفيلم يغير هذه الصورة تماماً ، حيث تقوم السجانة الزنجية البدينة بأداء إستعراض يلخص للمتلقى طبيعة شخصيتها .
وعلينا أن نجزم بوجود إختلاف واضح بين عناصر الإستعراض فى الفيلم المصرى ونظيره الأجنبى ، وذلك إستناداً على ما تقرره مها فاروق (5) بأن هذه العناصر تتشكل من المطرب والراقصة وعدد من الأصوات المساعدة ، بالإضافة إلى مجموعة ( الكومبارس ) وهى تتكون عادة من الراقصين والراقصات ، يقومون أحياناً بترديد بعض الكوبليهات ، حيث يبدو هذا التعريف للمشاهد المتمرس أقرب إلى فكرة الكبارية المبتذل ، وهو ما يظهر لنا من خلال العديد من الأعمال فى السينما المصرية مثل فيلم (حب وجنون) بطولة (محمد فوزى ـ تحية كاريوكا) وفيلم عفريتة هانم بطولة (فريد الأطرش ـ سامية جمال) ، وإذا كان الإهتمام بالإستعراض يظهر داخل بعض التجارب السينمائية التى أنجزها المخرج والممثل الراحل أنور وجدى مثل فيلمى ( دهب ـ ياسمين ) ، فإن المتأمل لهذه الأعمال سيلاحظ حرص المخرج على إعطاء الإستعراضات حساً فكاهياً واضحاَ ، وهو ما يظهر فى إستعراض ( البلياتشو ) فى فيلم دهب ، حيث قام الفنان الراحل إسماعيل ياسين بإضفاء حالة من المرح عليه ، عن طريق توظيفه لطبقة صوته وتعبيرات وجهه .
وفى عام 1950 تم عرض فيلم بابا عريس للمخرج حسين فوزى ، والذى يشير مدير التصوير سعيد شيمى (6)  إلى أنه أول فيلم مصرى ملون بالكامل ، ويحتوى هذا العمل على إستعراض عنوانه (دكان العرايس) ، ويرى الناقد سامى السلامونى (7)
أنه إستعراضاً جميلاً ومتقدماً جداً بالنسبة لإمكانيات تلك الأيام ، ويتحدث عنه قائلاً فالإستعراض إذاً كان يقوم على فكرة أقرب إلى القصة المحكمة ، وعلى التنوع السريع بين الحركة والموسيقى المناسبة لها ، وعلى تغيير المناظر والملابس والشخصيات وثراء الديكورات وعدد الرقصات ، ولكن هذه المزايا هى نفسها عيوب حسين فوزى فى معظم إستعراضاته ، لأنها سينمائية أساساً ولا يمكن تنفيذها على المسرح .
وعلى جانب أخر خاض المخرج حسن الإمام ، والذى قدم العديد من الأعمال التى تنتمى إلى تيار الميلودراما مثل ( الجنة تحت قدميها ـ القضية المشهورة ـ غضب الوالدين ـ  إبن مين فى المجتمع ) تجربة الفيلم الإستعراضى من خلال فيلم ( إضراب الشحاتين ) والذى تم إنتاجه عام 1967 ، ويعرض صورة لتناقضات المجتمع المصرى عام 1923 ، حيث تم تحويل المواقف الحوارية إلى جمل غنائية .
ومع إنتشار الألوان فى السينما المصرية ظهرت العديد من الأفلام الإستعراضية مثل            ( غرام فى الكرنك ـ أجازة نصف السنة ) والتى إشترك فيها أعضاء فرقة رضا للفنون الشعبية ( فريدة فهمى ـ محمود رضا ـ هناء الشوربجى ) ، وفى عام 1969 قدم المخرج حسين كمال فيلم ( أبى فوق الشجرة ) ، والذى إحتوى على إستعراض يحمل إسم ( قاضى البلاج ) ، ويتحدث مدير التصوير سعيد شيمى عن دور الألوان فى هذا الفيلم قائلاً (8) :ـ أتوقف كثيراً فى تفكيرى عندما أحلل الألوان فى فيلم ( أبى فوق الشجرة ) ، وسبب وقفتى تلك التلقائية فى تناوله لإستعمال الألوان وبشكل كبير ، ودائماً السؤال الذى يدور فى ذهنى هل إقترب وحيد فريد ( مدير تصوير الفيلم ) فى إستعمالاته اللونية من إسلوب الوحشية فى الفن التشكيلى .
ونحن نلاحظ ظهور الإستعراضات فى أعمال تحتوى على موضوعات جادة ، مثل فيلم ( بدور ) للمخرج نادر جلال والذى إحتوى على إستعراض داخل الوكر الخاص بالعصابة التى تنتمى إليها بطلة الفيلم ( نجلاء فتحى ) على الرغم من أن أحداث العمل تدور فى الفترة التى تسبق حرب السادس من أكتوبر ، والتى يشترك فيها البطل ( محمود ياسين ) ، وقد أشار الدكتور عبد المنعم سعد (9) إلى وجود تشابه بين هذا الإستعراض وأحد الإستعراضات الموجودة فى الفيلم الإنجليزى ( أوليفر ) ، ونرى أن قيام المخرج وهو نفسه كاتب السيناريو بوضع هذا الإستعراض ضمن الأحداث ، إنما يرجع إلى رغبته فى جمع أكبر قدر من المشهيات التجارية فى فيلم واحد ، حيث يسكن البطل فى منزل تعيش بداخله راقصة ، كما تنشأ فى النصف الثانى من العمل مشاجرة بين العصابة وأهل الحارة الأبرار ، وعلى جانب أخر فإن المشهد الأخير من فيلم ( أيام صعبة ) للمخرج فادى فاروق 2009 ، يشهد قيام البطل ( هشام عبد الحميد ) بأداء رقصة يعتمد خلالها على تعبيرات وجهه وجسده ، إبتهاجاً بنجاحة فى الكشف عن المجرم الحقيقى ، والذى قام بقتل إبنه الوحيد .
وفى عام 1975 قدم المخرج حسين كمال فيلم ( مولد يا دنيا) ، والذى إحتوى على عدد من الإستعراضات مثل ( شبيك لبيك ـ الحلو والنبى ) ، ويرى مدحت محفوظ (10 ) أنه فيلم موسيقى كبير نسبياً ، وجيد جداً بالمقاييس المصرية فى الإستعراض والغناء ، ويتحدث الناقد سامى السلامونى عن الفيلم (11) قائلاً  :ـ ولكن عندما يكرر حسين كمال التجربة فى ( مولد يا دنيا ) فإنه يقترب أكثر مما يمكن أن يكون قصة أو فيلماً إستعراضياً حقيقياً ، لأنه يقدم هذه المرة قصة فرقة إستعراضية أولاً ، ومن هنا يصبح الغناء والرقص وظيفة طبيعية فى بناء الفيلم ، ثم لأنه يقيم جزءاً مهماً من مسار الحدوته نفسها على الأغانى والرقصات .
وفى عام 1976 وظف المخرج يوسف شاهين الإستعراض للتعبير عن علاقة الفرد بالسلطة من خلال فيلم ( عودة الإبن الضال ) والذى إحتوى على إستعراضين قام بكتابتهما الشاعر ( صلاح جاهين ) هما ( الساعة ـ الشارع لمين ) ، وفى عام 1986 تجدد التعاون بين هذين العملاقين فى إستعراض ( حدوته حتتنا ) والذى قام بأدائه الممثل محسن محيى الدين فى فيلم ( اليوم السادس ) ، ويشهد عام 1990 عرض فيلم ( إسكندرية كمان وكمان ) ، والذى إحتوى على عدة إستعراضات ، إرتدى الراقصين خلالها ملابس تنتمى إلى عصور سابقة مثل ( الفرعونى ـ اليونانى ـ الرومانى ) .
كما قدم المخرج شريف عرفة تجربتين فى هذا المجال هما ( سمع هس ـ يا مهلبية يا ) ، وامتازت هذه الأعمال بطابعها الفانتازى الذى يصيغه ببراعه السيناريست ماهر عواد ، وإذا كان عام 2004 قد شهد إستعراض قام به راقص البالية أحمد يحيى فى فيلم إسكندرية نيويورك ، فإن المخرج خالد الحجر قد خاض تجربة إخراج عمل سينمائى يحتوى على عدة مواقف غنائية عام 2007 ، وذلك من خلال فيلم ( مفيش غير كدة ) .
أما بالنسبة للإسلوب الخاص بتقديم الاستعراضات على شاشة السينما ، فيرى المخرج سمير سيف (12) أن المخرج السينمائى يقوم باستخدام أكثر من كاميرا عند تصوير الأغانى و الإستعراضات ، وبالتالى فإن فكرة تطابق الحركات من لقطة لأخرى موجودة بالطبع بين كاميرا وأخرى ، لأن التصوير بين جميع الكاميرات يتم فى وقت واحد ، وتؤكد الدكتورة سلوى بكير (13) أن أهم المشاكل التى تواجه المونتير فى الأفلام الإستعراضية هى عدم تزامن الصوت مع الصورة ، وإسلوب علاج هذه المشاكل يكمن فى مهارة المونتير عندما يقوم بالهروب من تلك المشكلة ، والقطع على تفصيلات من داخل نفس المشهد .
ولعل أغلب المشكلات التى تواجه الفيلم الإستعراضى المصرى ، وتتسبب فى عدم وصوله إلى مستوى يقارب به الأعمال الأجنبية ، تتمثل فى :ـ
1ـ قلة الكفاءات الفنية المتخصصة والتى تتعامل مع السينما كفن وليس كتجارة .
2ـ عد تحقيق الأفلام الإستعراضية لإيرادات تذكر ، وهو ما تسبب فى تغيير بعض المخرجين لمسارهم الفنى ، رغبة منهم فى الحفاظ على تواجدهم فى الحقل السينمائى .
3ـ تحولت الأفلام الإستعراضية إلى ما يشبه المغامرة الفنية ، وهو ما يتضح من خلال قيام المخرج شريف عرفة والسيناريست ماهر عواد بإنتاج فيلم سمع هس ، وقيام الفنانة ليلى علوى بإنتاج فيلم يا مهلبية يا ، أما بالنسبة لتجارب المخرج يوسف شاهين ففنان الفيلم ، فى هذه الحالة ، لا يهمه الرواج التجارى المؤقت للعمل ، نظراً لإعتمادة على التمويل الأجنبى والبيع للمحطات الفضائية العالمية .





قائمة المراجع
1ـ يوسف الملاخ ، د. : المونتاج السينمائى فى الأغنية والإستعراض ( القاهرة ، الهيئة العامة لقصور الثقافة ، سلسلة أفاق السينما ، 2004 ) ص18 .
2 ـ محمود قاسم : الكوميديا والغناء فى الفيلم المصرى ، الجزء الثانى : نجوم المشهد الغنائى فى تاريخ السينما المصرية (  القاهرة ، المركز القومى للسينما ، سلسلة ملفات السينما 13 ، 1999 ) ص1 .
3ـ مها فاروق عبد الرحمن : أزياء الإستعراض فى السينما المصرية ( القاهرة ، الهيئة العامة لقصور الثقافة ، سلسلة أفاق السينما ، 2002 ) ص22 .
4 ـ يعقوب وهبى : الأعمال الكاملة للناقد سامى السلامونى ـ الجزء الثالث (القاهرة ، الهيئة العامة لقصور الثقافة ، سلسلة أفاق السينما ، 2001 ) ص124 .
5ـ مها فاروق عبد الرحمن : أزياء الإستعراض فى السينما المصرية ، مرجع سابق ، ص23 .
6 ـ سعيد شيمى : تاريخ التصوير السينمائى فى مصر 1879ـ 1996 (القاهرة ، سلسلة ملفات السينما 6 ، المركز القومى للسينما ، 1997 ) ص171.
7 ـ يعقوب وهبى : الأعمال الكاملة للناقد سامى السلامونى ـ الجزء الرابع (القاهرة ، الهيئة العامة لقصور الثقافة ، سلسلة أفاق السينما ، 2002 ) ص539.
8 ـ سعيد شيمى : إتجاهات الإبداع فى الصورة السينمائية المصرية (القاهرة ، المجلس الأعلى للثقافة ، 2003 ) ص238 .
9ـ عبد المنعم سعد ، د. : السينما المصرية فى موسم 1974 ( القاهرة ، توزيع : الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1975) ص 98 ـ 99 .
10ـ مدحت محفوظ: دليل الأفلام  ( القاهرة ، الناشر:ـ مكتب المؤلف ، 1998) ، ص361
11 ـ يعقوب وهبى : الأعمال الكاملة للناقد سامى السلامونى ـ الجزء الثانى (القاهرة ، الهيئة العامة لقصور الثقافة ، سلسلة أفاق السينما ، 2001 ) ص18.
12ـ يوسف الملاخ ، د. : المونتاج السينمائى فى الأغنية والإستعراض ، مرجع سابق ، ص114 .
13 ـ المرجع السابق ، ص138 .

Tiramisu



إذا كان المخرج القدير ( ألكسندر باين ) مشهور بتقديمة لأعمال تتناول شخصيات غير نمطية ، تبتعد عنها السينما ، وتتميز بعجزها الواضح عن تحقيق أمالها وطموحاتها مثل فيلمى ( side ways   ـ election ) ، فإن المخرج المصرى ( محمد خان ) قد سبقه فى تقديم هذه الفئات المطحونة على الشاشة وذلك فى كثير من أعماله مثل ( موعد على العشاء ـ سوبر ماركت ) .
وتنضم المخرجة ( باولا فان دير أوست ) إلى الفنانين السابق ذكرهم بتقديمها فيلم (Tiramisu) ، والذى يدور حول ممثلة كبيرة تعانى من بدء إنحسار شهرتها ، وهو ما تؤكد عليه المخرجة / كاتبة السيناريو منذ بداية العمل من خلال قيامها بزرع شخصية الممثلة صغيرة السن التى تشارك معها فى العمل المسرحى ، فهذه الشخصية ليست مجرد نمط مسطح ، وإنما تمثل ماضى البطلة ، وكذلك ينجح السيناريو فى إظهار النموذج النقيض للبطلة وهو الممثلة العجوز التى تعيش حياة هادئة مع زوجها المخرج المسرحى ، والتى تمثل الحلم الذى لم تستطع البطلة تحقيقه بعد .
ويربط الفيلم منذ البداية بين الشخصيتين الأساسيتين ( الممثلة ـ المحاسب ) ففى اللقاء الأول الذى يجمعهما يتم تصوير الممثلة بحيث تظهر فى المرأة الموجودة بجوار باب المنزل المفتوح لإستقبال البطل، فيبدو البطلان متجاورين فى هذه اللقطة ، وإذا كان من المفترض على المحاسب أن يحل المشاكل الضريبية الخاصة بالبطلة فإن هذا الأمر يحتوى على مفارقة رائعة وهى أنه يعانى من عدم التواصل مع زوجتة ، فهو يحتاج إلى من يساعدة فى حل مشكلته ، فالعمل إذن يقدم لنا بطلان متشابهان رغم إختلافهما الثقافى والطبقى ، ولذلك فإن الحل الوحيد لمشكلة كل منهما يأتى فى نهاية العمل عن طريق الأخر .
 فالبطلة تستعيد علاقتها بإبنتها وتقرر تغير حياتها عن طريق تفصيلة صغيرة وهى إصرارها على الإنتقال من المنزل ، أما البطل فيقيم فى العوامة الخاصة بها ، ويطلق على إبنته إسم ( أن ) تقديراً منه لمدى تأثير الممثلة على مستقبلة .
ويحتوى الفيلم على العديد من التفاصيل المعبرة عن مشاعر الأبطال مثل الصورة الموجودة داخل منزل (أن) والتى تصور البطلة وهى تقف مبتسمة بجوار إبنتها وزوجها ، فهى لا تعطى فقط معلومة عن حياة الممثلة الماضية ، بل وتعبر عن حالة الحزن التى تمر بها عندما تتواجد على الحائط فى مشهد حديثها المؤثر مع إبنتها الصغيرة فى الغرفة ، وهناك أيضاً الشجرة التى تضعها البطلة أمام إعلان بيع المنزل فى المزاد العلنى ، رغبة منها فى تجنب نظرات الشماته أو العطف من أصدقائها المدعوين فى الحفل الليلى ، كما يأتى قيام البطل بارتداء عدسات لاصقة فى نهاية العمل ليؤكد على نظرته الجديدة للحياة ، بعكس قيامه بإرتداء نظارة طبيه على مدار الفيلم ، تأكيداً على أنه يتعامل مع جميع مع المحيطين به بشكل مسطح .
ويلجأ صناع العمل إلى المونتاج المتوازى ما بين البطل داخل التاكسى والبطله وهى تجلس حزينة فى منزلها تعبيراً عن حالة الإكتئاب التى يمر بها كلا الطرفين ، ويؤكد على عدم ثقة الإبنة فى والدتها عندما تسأل الإبنة المحاسب عن كونه عشيق الممثلة ، كما يعانى معظم أبطال العمل من إفتقاد السعادة فطليق البطلة نلمح عنده إستعداداً لإستئناف علاقته معها رغم إرتباطه بممثلة صغيرة السن ، وزوجة البطل تتركة يومين بسبب إهماله لها .
تبقى فى النهاية الإشارة إلى أن أهم ما يميز هذه الأفلام ويجعلها تحظى بتقدير فى بلادها أنها لا تحاول إبتزاز المشاهد بمشاعر ميلودرامية مصطنعه

الأربعاء، 25 أغسطس، 2010

اللى نزل الشارع


مقدمة
فكرة قيام أحد الأشخاص بالدخول فى مغامرة تقع أحداثها فى ليلة واحدة أو يوم واحد ، يكتشف خلالها العديد من الأشياء التى كان يجهلها ، ويتأكد أن حياته السابقة عبارة عن سذاجات ، وأن حالة الإرتياح التى انتابته طيلة المدة السابقة ، لا يبررها تصالحه مع ذاته ، وإنما ترجع إلى كونه إنسان سلبى ، غير مدرك لحقيقة الواقع الموجود حوله ، قد تم تناولها فى العديد من الأعمال المصرية مثل فيلم (البحث عن سيد مرزوق) إخراج داود عبد السيد ، كما قامت عليها عدة أفلام أجنبية مثل (collateral  ) بطولة توم كروز وجيمى فوكس ، وإخراج مايكل مان ، و تم إنتاجه عام 2004 


يستوحى المخرج (إسلام إمام) فكرة مسرحيته ( اللى نزل الشارع ) من إحدى الحلقات التلفزيونية القصيرة للمخرج (وودى ألان) ، وقد تم تقديمها أكثر من مرة عن طريق بعض الفرق المسرحية فى إيطاليا ، ومن المعروف أن المخرج (وودى ألان) يميل فى معظم أعماله إلى السخرية من الواقع السينمائى والأدبى فى بلاده وهو ما يظهر بوضوح من خلال فيلمي (anni hall  ـ Hollywood ending ) حيث قدم فى الفيلم الثانى هجائية ساخرة لصناعة السينما فى العالم ، مؤكداً على ضحالة تفكير النقاد الفرنسيين ، من خلال قيام مخرج بتنفيذ أحد أفلامه أثناء إصابته بعمى مؤقت ، وبالرغم من المستوى الرديء للعمل ، فإن النقاد الفرنسيين يعتبرونه أحد أهم الأفلام فى تاريخ السينما ، ومما لا شك فيه أن العمل المسرحى الذى كتبه وأخرجه   ( إسلام إمام ) إنما يسعى بشكل رئيسى إلى إلقاء الضوء على العديد من السلبيات الموجودة فى المجتمع المصرى بشكل كوميدى ساخر .


إنطباعات سريعة مكان العرض المسرحى
يحسب أولا للعرض رخص سعر تذكرة الدخول للعمل ، وبالرغم من ذلك فقد لاحظت أن أغلب الموجودين داخل العرض إما أصدقاء للأبطال ، أومن طلبة وخريجى معهد الفنون المسرحية ، وخيل لى فى هذه اللحظة أن العمل موجه إلى الجمهور المتخصص وليس العادى ، كما فوجئت عند ذهابى لقطع التذاكر بوجود أفيشان ضخمان لمسرحية ( سى على وتابعه قفة ) بحيث يتصور المشاهد أن هذه المسرحية هى التى تعرض داخل مسرح السلام ، أما بالنسبة لتصميم الأفيش فنلاحظ تعبيره عن مضمون العمل حيث يجلس كل من (رامى الطمباوى ـ نفرتارى) وهما الممثلان اللذان قاما بأداء شخصيتى الزوج والزوجة على الأرض ويقومان بتنظيف أحذية إثنان من أبطال العرض وهما ( ريم حجاب ـ أحمد عبد الهادى ) ، فى إشارة إلى الإذلال الذى يتعرض له الزوجان طوال العرض المسرحى .
ملخص العمل :ـ
تدور أحداث المسرحية حول قيام الشرطة بإقتحام منزل  أسرة مكونة من الزوج محمود (رامى الطمباوى) والزوجة سناء (نفرتارى) ، حيث يطالبونهما بمساعدتهم فى القبض على السفاح الذى أصاب البلاد بالذعر ، وعندما ينزل الزوجان إلى الشارع ، فإنهم يتعرضون للعديد من الإهانات المختلفة ، تصل إلى ذروتها عندما يتهم البطل بأنه هو نفسه السفاح الذى يبحث عنه الجميع ، لينتهى العمل باكتشاف البطل وزوجته أن السفاح لا يزال حياً .
الحبكة :ـ
تتكون أحداث المسرحية من ستة مشاهد طويلة ، يدور المشهد الأول داخل المنزل ، بينما بقية أحداث العمل تقع فى الشارع ، ويسخر المؤلف عن طريق الحوار من أغلب المشاكل التى تواجه البلاد ، ويظهر ذلك فى عدة مواضع مثل إختيار إسم الكتاب الذى يحتوى على جميع الفتاوى الدينية وهو ( رحلة الشاى الشريب بين الشاى والحليب ) ، وقيام أحد رجال الشرطة بتقليد شخصية كرتونية ظهرت مؤخراً على شاشات التلفزيون بقوله ( إبقى قابلنى فى الحلقة الجاية ) ، وردود أفعال الشرطة عندما طالبهم البطل بإعادة أمواله فينطق كل منهم باسم أحد المسلسلات التلفزيونية    ( المال والبنون ـ الشهد والدموع ) ، بالإضافة إلى السخرية من نمط (فتاة الليل) ضحية الظروف والذى تكرر فى العديد من الأعمال .


وإذا كان البطل يقبع طوال العمل فى إنتظار السفاح ، فإنه يقابل عدة نماذج لا تقل وحشيه عن القاتل الغامض ، بل أنها تساهم فى تدمير مجتمع بأسره دون أن يطولها أى قانون مثل (الدعاة الجدد ـ نواب القروض) ، ولذلك فإن نهاية العمل وهى عدم القبض على السفاح ، إنما تشير إلى أن الخطر لا يزال مستمراً ، ولن نستطيع إيقافه ، ونحن نلاحظ أن الشرطه قبل النهاية بدقائق قليلة أعلنت عن قيامها بالتخلص من شخصين ، فى تأكيد على أن العدو لا يقتصر على جهة واحدة وإنما يحيط بنا من كل جانب .
الشخصيات :ـ تعتمد المسرحية بشكل رئيسى على شخصيتين هما الزوج وزوجته ، أما بالنسبة للزوج فهو شخص ينتمى إلى الطبقة المتوسطة ، شديد الجبن ( يطلب من زوجته الصعود إلى المنزل حتى يستطيع الهرب عندما يحضر السفاح ـ يوافق صاغراً على إعطاء فتاة الليل كل أمواله ) ، يبدو قانعاً بحياته البسيطة ( فهو يتمنى أن يموت على فراشه بهدوء ، وأن يسافر إلى إحدى المدن الساحلية بصحبة زوجته وأطفاله ) ، أما الزوجة فهى ربة منزل تقليدية ، تعمل مدرسة ، يشير النص إلى قيامها بإعداد طعام الغذاء أثناء وجودها فى المدرسة( فى تكرار مقصود للنمط التقليدى للموظفة والذى تم تقديمه فى أفلام سينمائية مثل ( الأفوكاتو ) للمخرج رأفت الميهى )، وتحاول أن تجعله أكثر شجاعة ، ويؤكد المؤلف أن هذه الطبقة التى تحمى نفسها بقشور خارجية ، تنهار أمام أول اختبار ، وذلك عندما تنبهر الزوجة بمنطق فتاة الليل ، وتحدث زوجها عن استعدادها لترك وظيفتها والعمل معها .
المكان والزمان
بالنسبة للقاعة التى تم عرض المسرحية بداخلها أرى أنها جاءت مناسبة لطبيعة العرض ففى كثير من أجزاء العمل كان الممثلون يتحركون فى الفراغ الذى يفصل  بين صفى المقاعد بسلاسة واضحة ، مع ملاحظة عدم وجود فاصل بين المكان المخصص للجمهور والمسرح الذى يؤدى عليه الممثلون عرضهم ، و بالتالى فإن المخرج قد نجح فى الاستفادة من طبيعة المكان المحدود لخدمة النص ، أما بالنسبة للأماكن الموجودة داخل العرض فإنها تقتصر على مكانان هما غرفة النوم الخاصة بالزوجين والشارع ، ونحن نلاحظ أن قطع الديكور إنما تم تصميمها بشكل يجعلها مناسبة لتحقيق أكثر من وظيفة ، مثل سرير الزوجين والذى تحول بداية من المشهد الثانى إلى كشك مغلق ، كما أن قطع الأكسسوار إنما تعبر عن طبيعة المكان الذى تدور الأحداث بداخله مثل ماسورة المجارى التى تسقط منها المياة القذرة على البطل  وصندوق القمامة المثقوب من الأسفل ، وإذا كان مصطلح (المهمات المسرحية) يطلق على كل الأدوات والأشياء التى تستخدم فى تحقيق الأحداث المسرحية داخل العرض ، فإننا نلاحظ احتواء العرض المسرحى على هذا النوع من (أداء الأشياء) مثل النظارة التى يرتديها البطل ولا يتمكن من الرؤية بدونها ، والقداحة التى يمسك بها قائد الشرطة ، ويضغط عليها ، فى مشهدى البداية والنهاية كلازمة مرئية تصاحب ظهوره ، وكأنها تمثل البطل وزوجته والذى يتعمد قمعهما.
أما بالنسبة للزمان ، فإن زمن كتابة النص هو نفسه زمن عرض النص (2009) ، و بالنسبة للزمن الذى تدور فيه أحداث العمل فهو ليلة واحدة ، حيث ينتهى العرض قبل مجيء الصباح  .
الملابس
عبرت الملابس عن المستوى الاجتماعي المتواضع للأسرة من خلال الفانلة الممزقة التى يرتديها محمود ، أما بالنسبة للملابس الخاصة برجال الشرطة فنلاحظ سيطرة اللون الأسود عليها ، مع وجود جمجمة على السترة الخاصة بكل ظابط ، وتضفى الملابس فى بعض الأحيان حساً فكاهياً على الأحداث ، ويظهر ذلك فى مشهد دخول أفراد الشرطة وكأنهم مجموعة سيدات يعملن كراقصات ، من خلال إرتداء أحدهم (أمجد الحجار) لحذاء على شكل كلب .
الإضاءة
يقوم مدير الإضاءة فى كثير من أجزاء العمل بتركيز الإضاءة على كل من الزوج والزوجة فى لحظات إنكسارهما ، مثل الجزء الذى يتحدث فيه محمود عن أحلامه ، وينتهى بأن يدعو الله أن يسامحه ، كما تعبر الإضاءة عن حالة الصدمة التى تنتاب البطلين ، فعلى سبيل المثال ، يتغير شكل الإضاءة عند دخول رجال الشرطة فى بداية المسرحية ، عن أسلوب توزيعها على خشبة المسرح أثناء وجود الزوج والزوجة على الفراش قبل دخولهم .
الإخراج
من المعروف أن هذه المسرحية لا تعتبر التجربة الأولى للمخرج (إسلام إمام) حيث قام بإخراج العديد من الأعمال نذكر منها ( محاكمة غانم سعيد ـ مجند 311 ـ تحب تموت ازاى ) ، أما بالنسبة لعمله الأخير ( اللي نزل الشارع ) ، فإنه يتعمد التعبير عن الإنفصال الواضح بين رجال الشرطة والزوجين من خلال تبادل أمكنتهما على المسرح بحيث يقف أحد الطرفين فى مقدمة المسرح ، بينما يقبع الطرف الأخر فى العمق ، ويعبر عن سيطرة الشرطة على الزوج من خلال قيامهم بإحاطته من كل جانب ، عندما يتهمونه بأنه السفاح ، ويتعمد المخرج فى توجيهه للممثلين أن يجعل أداؤهم يحمل قدر من المبالغة ، وهو ما يظهر بوضوح فى تضخيم قائد الشرطة لصوته ، وميل أحد الممثلين ( أمجد النجار ) إلى استخدام طبقة صوت مصطنعة فى مختلف الأدوار التى قام بتجسيدها ، ولكن المخرج يفشل فى توظيف الأغانى ، فهى تعبر عن أفكار قد سبق توصيلها للمشاهد عن طريق الحوار مثل أغنية 
( أنا حد بسيط ) ، و التى جاءت بعد مونولوج البطل عن أحلامه المتواضعة .

الاثنين، 19 يوليو، 2010

تلك الأيام ... أدب الفيديو كليب



لقد دأبت السينما المصرية على تقديم شخصية المثقف الإنتهازى فى كثير من الأفلام مثل ( اللص والكلاب ـ الرجل الذى فقد ظله  إخراج كمال الشيخ ) وفى هذه الأعمال يتم تحويله إلى غريم للشخصية الدرامية الطيبة مثل اللص سعيد مهران أو الخادمة ( شادية) ، وقد قدم المخرج ( عاطف سالم ) منذ عدة أعوام فيلم ( دموع صاحبة الجلالة ) والذى أكد مشهده الختامى على أن هذه الشخصيات الزئبقية ( بحسب تعبير الدكتور نبيل راغب ) لن تختفى على الإطلاق ، وفى هذا العام إختارت إحدى شركات التوزيع أسوأ توقيت لعرض فيلمين وهما ( عصافير النيل للمخرج مجدى أحمد على وتلك الأيام للمخرج أحمد غانم ) .
إن إنفصال المشاهد العادى عن السينما الجادة ، إنما يرجع إلى أن صناع الأفلام يصدرون ثقافتهم داخل أعمالهم ، بمعنى أن المواطن الذى يتعاطى المخدرات مثلا ، ويحرص على أن ترتدى زوجته الحجاب ، سيرفض حتماً أن يشاهد فيلماً تختار فى المرأة الرجل الذى تمارس معه الحب مثل (الأبواب المغلقة) للمخرج عاطف حتاتة ، ولكنه سيهلل لفيلم (أنا مش معاهم) والذى يؤكد على ضرورة العودة للإحتشام ، وعندما يتوجه لمشاهدة فيلم ( تلك الأيام ) لن يلتفت إلى أى من عناصره الفنية ، وإنما سيشيد بمنطق زوجات أشقاء البطلة المحجبات ، وهو الأمر الذى سيطيح بمصداقية الفكرة التى يود الفيلم مناقشتها ، وإذا أضفنا إلى ذلك أن الفيلم يقدم البطلة باعتبارها إمرأة لا ترتدى غطاء الرأس وتحتسى الخمر ، فإن المشاهد سيتعاطف حتماً مع الزوج ( محمود حميدة ) رغم أن الفيلم يقدمه كشخص إنتهازى يسعى للوصول إلى كرسى الوزارة  بأى وسيلة .
يشير فيلم ( تلك الأيام ) إلى بعض التفاصيل المتشابهة بين شخوصه ، فإذا كان الأستاذ الجامعى يجد الراحة والسكينة فى منزل والدته ( صفية العمرى ) بالقرية ، فإن الشرطى السابق ( أحمد الفيشاوى ) يحلم فى أحد المشاهد بوالدته ( سمية الألفى ) ، كما نلاحظ أن العمل يشير إلى تطابق ظروفهما الحياتية التى أدت إلى قيام كل منهما بتغيير توجهاته ، فالأستاذ تم تعذيبة على يد رجال الأمن ، بينما الشرطى ترك مهنته عقب قيامه بقتل أحد الإرهابيين ثأراً لزميله ، فنحن هنا أمام طرفين جانى قرر الإنعزال واللجوء إلى الدين ( يصلى فى أحد المشاهد داخل حديقة المثقف ) ، ومجنى عليه عزم على الإنتقام من الظروف الإجتماعية .
وبعيداً عن فكرة المقارنه بين رواية كتبت منذ عشرات الأعوام وفيلم يدور فى عصر الهاتف المحمول ، فإن قيام المخرج بإطلاق نفس عنوان الرواية على الفيلم لهو إختيار خاطىء بلا شك ، فنحن لانستطيع إدراك علاقة عنوان (تلك الأيام) بعمل يقتصر دور الذكريات به على تأكيد مدى تأثير ماضى الشخصيات على حياتها الأن ، دون الإشارة إلى الظروف السياسية والإجتماعية المصاحبة لهذه الفترة ، لاسيما وأن تنفيذ هذه المشاهد جاء أقرب إلى الإستعراض التكنيكى والإبهار الشكلى مثل مشهد إقتحام الإرهابيين للقطار أو مشهد مطاردة الظابط للإرهابى داخل الريف ، وعلى جانب أخر فإن العمل رغم جديته وإختلافه عن الإفلام الهزلية ، لا يخلو من أخطاء العمل الأول مثل سوء إختيار الأدوار (ماجد المصرى ـ ليلى سامى) ، أو ديكور المكان المخصص للقاء رئيس الوزراء          (عادل أمين) مع رجاله الأشبه بأوكار العصابات ، والإشارة المضحكة إلى قناة الفضائح الإخبارية مع تعمد إختيار إسم لها يتطابق مع كلمة (الجزيرة) .
ويمتد سوء الإختيار ليشمل صغار الممثلين ممن يظهرون فى لقطات محدودة مثل كريم العدل (مخرج فيلم ولد وبنت أول الأفلام المعروضة لعلا عز الدين المشاركة فى كتابة سيناريو الفيلم) والذى قام بأداء دور الطالب الجامعى المعترض على أفكار الأستاذ ، فمما لاشك فيه أن السبب الوحيد لإختياره هو كونه نجل المنتج (محمد العدل) .
وعلى الرغم من كثرة الملاحظات السلبية والإيجابية تجاه العمل فإن إحجام الجمهور عن مشاهدته سيدفع شركات الإنتاج إلى التفكير ألف مرة قبل إنتاج فيلم مختلف عن السائد ، وهو ما قد يجعل هذا العمل بمثابة العمل الأول والأخير للمخرج .

الثلاثة يشتغلونها ... السينما الإنهزامية



منذ أن قدم فيلم (الواد محروس بتاع الوزير) إخراج نادر جلال ، قرر المؤلف (يوسف معاطى) ترسيخ فكرة المواطن المصرى الصالح فى أعماله المختلفة ، مؤكداً على طيبة رجال الشرطة فى فيلم (عريس من جهة أمنية) إخراج على إدريس ، وموضحاً مدى ترابط عنصرى الأمة فى فيلم (حسن ومرقص) للمخرج رامى إمام ، بل يؤكد أن رجال الأعمال الفاسدين إناس طيبون بالفطرة لا يمانعون فى مساعدة المواطنون البسطاء فى فيلم (بوبوس) ، كما يؤكد أن المثقفون هم مجموعة من المدعين يحتسون الخمور عند القبض على إحدى فتياتهم فى فيلم (السفارة فى العمارة) ، ويسارعون بالهروب من المظاهرات فى فيلم (طباخ الريس) ، أما المواطن العادى فى أفلامه فهو إما شاب أبله ضعيف الشخصيه يتزوج ويعمل بناء على إرادة والده مثل فيلم (التجربة الدانمركية) ، أو أسرة تعانى من الحرمان الجنسى مثل أسرة رأفت (أشرف عبد الباقى) فى فيلم المخرج وائل إحسان (السابق ذكره) ، ويقدم المؤلف فى فيلم (الثلاثة يشتغلونها) أسرة مشابهة ينصاع فيها الأب لقرار فصله من المصنع بدون وجه حق ، ويوفقه الله للعمل على ماكينة تصوير المستندات ، فيبدو قانعاً رغم كل ما يمر به من ظروف وأزمات حتى يحظى بتعاطف المشاهد المصرى العادى ، ويواصل الكاتب طرح أفكاره المستهلكة فى هذا العمل ، فيقرأ المثقف اليسارى مجلة أطفال ، ويغرق الشاب الأرستقراطى فى اللهو والمجون ، بينما يؤكد الداعية الشاب على فساد الدعاة الجدد ، ولكن ما لم يدركه (يوسف معاطى) أن معظم الشعب المصرى يعتبر هؤلاء الدعاة عبارة عن مجموعة من الملائكة أرسلها الله لكى تساعده فى دخول الجنة ، مما يفسد أى محاولة لتغيير هذه الصورة .
ونحن نفاجأ أثناء مشاهدة العمل أن التترات المنفذة عن طريق الرسوم  المتحركة تشبه مضمونه تماماً ، إذ يخلو العمل من شخصية يتفاعل معها المشاهد ويصدقها ، فمهرجان الأنماط الذى إشترك فى صناعته مخرج الفيلم ( على إدريس ) جعل الشخصيات تتحرك وتتكلم وتعبر عن أفكارها بحيادية تامة ، فالشرطى (محمد لطفى) يكتفى بالصراخ ، وفى أحد المشاهد يسخر من الإنتماءات السياسية للمثقف ، حيث يهلل المؤلف لأفكار الشعب المصرى عن ضرورة الإبتعاد عن العمل العام حتى لا يتعرض الفرد لمصير أبطال فيلم ( الكرنك ) ، أما مسئول وزارة التربية والتعليم ( طفى لبيب) فهو يعلن غضبه الشديد فور عمله بالتغييرات التى حدثت للأطفال ، بالرغم من أنه يستطيع إغلاق المدرسة بإشارة واحده .
ويمتد الفقر الفكرى ليشمل الأماكن التى تدور بها الأحداث مثل (منزل البطلة وقسم الشرطة والفصل) حيث نشاهد نفس الموقف كل فترة مع اختلاف ردود الأفعال ، بينما تتعدد أماكن التصوير فى الجزء الدعائى الأخير الذى يكرس لفكرة المواطن الصالح ، عندما تقوم نجيبة بتغيير إسلوبها وتحصل على لقب المدرسة المثالية ، وهو لقب زائف تماماً فهى لم تفعل شيئاً تستحق عليه المكافأة ، فالسيد المؤلف قد إستوعب متطلبات الشعب الأبله ، فلابد للإبن من الحصول على الدرجات النهائية سواء كان يحب ما يقوم بدراسته أو يكرهه ، وعلى هذا فإن هؤلاء الأطفال قد تمكنوا من الحصول على أعلى الدرجات نظراً لقيامهم بحفظ المقررات ، ومما لاشك فيه أن الفتيات سيتحولن إلى نسخة من نجيبة فور وصولهن إلى الجامعة .
ظللت أتذكر فيلمى ( school of rock  ، dead poet society ) أثناء مشاهدتى لهذا الشريط ، فهى أعمال تعطى الأولوية لكرامة الفرد وحريته ، وتنادى بضرورة إستغلال الطلاب لمواهبهم ، أما نحن فيسعى السينمائيين لكى يقدمون نموذجاً يحتذى به وهو المدرس المثالى ( رمضان مبروك أبو العلمين حمودة ) ، والذى إرتعد أثناء جلوسة بمكتب سكرتير وزير التربية والتعليم ، بينما إنهال بالضرب على أطفال القرية الأبرياء .

الأربعاء، 20 يناير، 2010

كلمنى شكراً ....... عندما ينقلب السحر على الساحر




يثير الشريط السينمائى الأخير للمخرج خالد يوسف ، والذى يحمل إسم ( كلمنى شكراً ) العديد من التساؤلات والتى تدور فى مجملها حول علاقة الفنان بجمهوره ، فإذا كان مئات الشباب يعبرون عن غضبهم فور مشاهدتهم للمقدمات الإعلانية الخاصة بأعماله السينمائية ، وذلك عن طريق كتابة التعليقات فى مواقع الإنترنت المختلفة ، أو داخل الجروبات الموجودة على الموقع الإلكترونى الشهير الـ (  face book ) والتى يحمل بعضها إسم ( كارهى المخرج خالد يوسف ) ، فإن المردود الجماهيرى لأفلامه فى شباك التذاكر يأتى موازياً لحالة الرفض العامة لأفكارة ونوعية موضوعاته ، وكأن هناك مباراة لا تنتهى بين فريقين يصر كل منهما على هزيمة الأخر ، قبل أن تنتهى بخسارة الجميع .
يمتلك المخرج خالد يوسف كثير من الثقة بالنفس فهو يدفع بمجموعة من الممثلين قد لا ينتبه إليهم كثير من المخرجين ، مثل (عمرو سعد ـ صبرى فواز ) ، كما يرغب أحياناً فى التعاون مع بعض الممثلين ممن توقفوا على ممارسة فن التمثيل السينمائى مثل الفنانة شويكار والتى تشارك فى أخر أعماله ، ومصدر هذه الثقة تكمن فى تأكده الواضح من أن الجمهور العادى يثق فيه ، وهو ما يقودنا إلى السؤال الشهير ، لماذا تنجح أفلام خالد يوسف ؟ .
والإجابة هى ( لنفس أسباب فشل أعمال يسرى نصر الله وأسامة فوزى ) ، فبالرغم من أن الثلاثة مخرجين يتعرضون للسباب دائماً من الجمهور العادى عند عرض أعمالهم ، إلا أن المشاهد يعتبر تجارب مثل جنينة الأسماك أو جنة الشياطين لهى أعمال تتعالى عليه ، تتحدث عن أشخاص لا يمرون بمشاكلهم اليومية الموجودة على صفحات الجرائد ، ولا يعانون من أجل الحصول على لقمة العيش ، وذلك على عكس من أفلام خالد يوسف الأخيرة ، فهو يتعمد اختيار قصص شديدة البساطة مثل الأب الذى يفرق بين أبنائه فى المعاملة فيقتل أحدهما الأخر ( دكان شحاتة ) ، بالإضافة على أفكار حققت رواجاً فى السنوات السابقة مثل الفتاة التى تحمل سفاحاً ويرفض حبيبها الاعتراف بالجنين ـ والأبناء الذين يقسون على والدتهم العجوز وذلك فى فيلم ( حين ميسرة ) ، كما أنه يضفى بعداً سياسياً على مشاهد الأعمال ، عن طريق إبرازه لنشرات الأخبار والمانشيتات الصحفية التى تتحدث عن أهم التطورات السياسية والاجتماعية فى مصر .
من الأمور المتكررة فى أفلام خالد يوسف ، والتى تظهر على أشدها فى فيلم (كلمنى شكرا) ، أن يدور جزء من أحداث الفيلم داخل قسم الشرطة ، كما تصور الكاميرا الممثلين وهم يبكون فى مواقف ميلودرامية تماماً ، تهدف إلى الحصول على تصفيق المشاهدين ، وهو ما يمكن تطبيقه بشكل واضح على المشهد الخاص بقيام أحد مخرجى البرامج التلفزيونية بتصوير حلقة عن التعذيب داخل أقسام الشرطة ، فيستعين بإبراهيم توشكى ( عمرو عبد الجليل ) ووالدته ( شويكار ) حيث يفترض المشهد أن يصفع البطل والدته فيرفض ولكنها تمسك بيده وتصفح بها نفسها .
مشكلة فيلم ( كلمنى شكرا ) أنه وعد الجمهور بما لم يقدمه ، فالإعلان يعطى انطباع بفيلم كوميدى من الطراز الأول ، فإذا بالممثلين المساعدين يتفوقون فى خفة الظل على البطل ، كما توقع الجمهور أن يحتوى العمل على مشاهد جنسية كفيلم (الريس عمر حرب) ، فإذا بالأمر يقتصر على مشاهدة سيقان الفنانة (غادة عبد الرازق) ، بل أن مشاهد المشاجرات والانفجارات التى تواجدت فى فيلم (خيانة مشروعة) إختفت تماماً ، وعندما تهيأ المشاهد لمتابعة معركة أهل الحارة مع البلطجية وزعيمهم صلاح (ماجد المصرى) إنتهى القتال قبل أن يبدأ ، وحتى مشاهد الصراع على الماء والخبز التى تواجدت فى ( دكان شحاته ) بدت فقيرة وانتهى الخط الخاص بصاحب المخبز والذى يقوم ببيع الدقيق المدعم فى السوق السوداء بنهاية أخلاقية تماماً ( إصابة نجله الوحيد بالعمى ) .
يؤكد المخرج فى جميع لقاءاته الصحفية أن الفيلم يناقش ( أثر التطورات التكنولوجية على المواطن العادى ) ، وهو بذلك يتحدث عن فيلم أخر لم يصنعه بعد ، فما يقدمه العمل تحديداً هو الإشارة إلى رغبة القنوات الفضائية فى الاستحواذ على الاهتمام الجماهيرى عن طريق استغلال المواطنين السذج أمثال البطل وتصوير بعض المظاهر السلبية داخل مصر ، وهو الأمر الذى تابعه أغلب الرأى العام العربى فى القضية الخاصة بالمذيعه ( هالة سرحان ) ، كما أنه أشار إلى أخطار شبكة الإنترنت على الفتيات الفقيرات ، وذلك من خلال شخصية فجر ( حورية ) شقيقة البطلة ، ومن الممكن حذفها دون أن تتأثر الأحداث .
بعد مرور عشرات الدقائق من بداية الفيلم ، يقرر خالد يوسف أن يصنع مشهداً متميزاً ، فيصور بطل الفيلم وهو يتخيل أنه يؤدى شخصية الفنان ( نجيب الريحانى) داخل أحد أفلامه ، ولكن هذا الوميض لا يستمر أكثر من لحظات لنتابع إيقاعاً شديد البطء وإضاءة غير ملائمة لطبيعة الفيلم الكوميدى و تمثيل شديد الركاكة من الفنانة شويكار .
وإذا كان المخرج يحاول الربط بين البطل وإبنه الوحيد طوال الأحداث ، فإنه يشير إلى موضوع فيلمه القادم أثناء نزول تترات النهاية ، حيث يتم تصوير الإبن وهو يجلس أمام العديد من أجهزة التلفزيون ، يعرض أحدهم أحد الخطابات الخاصة  بالرئيس (جمال عبد الناصر) .

Coco Avent chanel ......... وأفلام السيرة الذاتية




تنقسم أفلام السير الذاتية للأدباء والسياسيين والفنانين إلى نوعين ، النوع الأول تتناول فيه الأعمال حياة الشخص باستفاضة ويتم من خلالها إستعراض تفاصيل حياته بأكملها وقد تنتهى بوفاة البطل مثل فيلم ( مالكوم إكس ) الذى رشح عنه الفنان دينزل واشنطن لجائزة الأوسكار كأفضل ممثل ، أما النوع الثانى فيتم التركيز فيه على فترة محددة من حياة البطل مثل فيلمى 
( capote) إخراج بينيت ميللر والذى تناول قيام الصحفى ترومان كابوت 
( فيليب سيمور هوفمان ) بتأليف أحد أهم إبداعاته .
ويكتسب فيلم  (Coco Avent chanel ) أهميه كبرى نظراً لأنه الفيلم الثانى الذى يدور حول هذه الشخصية بعد الفيلم التلفزيونى  (Coco chanel ) إخراج كريستيان دوجواى ، والذى تم إنتاجه عام 2008 ، وقامت ببطولته الفنانة الكبيرة (شيرلى ماكلين) ، كما أن مخرجته 
( ان فونتين ) إمرأة ، فهى قطعاً لم تختر هذا الموضوع بمحض الصدفة ، بل لأنها تثق تماماً فى تقديمها رؤية مختلفة لهذه الشخصية الإستثنائية .
تقرر المخرجة / المؤلفة منذ بداية العمل أن تجعل الأحداث تختلف تماماً عن الفيلم التلفزيونى الذى سبق عرضه ، فتعبر عن فترة الطفولة الخاصة بالبطلة فى لقطات قليلة يتم التأكيد من خلالها على عنصرين الأول هو إفتقادها للأب وهو ما جعلها تدخل فى علاقة مع شخص يكبرها سناً عندما تبلغ سن الشباب ، أما العنصر الثانى فهو تطلعها الدائم ، فأسماء العاملين بالفيلم تتسرب بهدوء على الشاشة بينما تتأمل كوكو الطفلة العالم الخارجى وهو ما يتكرر بعد ذلك عند دخولها لمنزل الثرى بالسان ( بينويت بويلفوردى ) لأول مرة حيث تتابع البطله فى هذه المشاهد محتويات المنزل من أثاث وتحف غالية الثمن .
ويؤكد السيناريو على مهارة البطلة فى مجال تصميم الأزياء فى عدة مواضع ، فالبطلة تقوم بإصلاح الزى الخاص بشقيقتها حتى تستطيع ارتداءه فى أحد المشاهد ، كما تقوم بتغيير القبعة الخاصة بإحدى السيدات بأخرى مناسبة الفستان الذى ترتديه فى إحدى السهرات ، ويشير إلى إحتقار الطبقة الأرستقراطية للفن ، عندما يصوب بالسان الأسهم تجاه لوحه معلقة على الحائط .
وإذا كانت المخرجة تمنح المشاهد عبارة مجانيه فى النهاية وهى ( لقد كانت كوكو شانيل نموذجاً للمرأة العصرية ) ، فإنها تفشل فى التعبير عن معنى الجملة السابقة على مدار الأحداث ، فالفيلم لا يركز على أهم ما يميز إبداعاتها فى مجال تصميم الملابس ، فمعظم الأحداث تدور حول علاقة كوكو ( أودرى تاتو ) بعشيقها العجوز ، بل أن البطلة لم تفكر فى الإستقلال المادى عنه بعد تحولها لمصممة أزياء .
وعلى جانب أخر تهتم المخرجة باللقطات العامة التى تستعرض من خلالها المناظر الطبيعية الخلابة أثناء قيام البطلة بالتوجه إلى منزل بالسان ، كما تتمكن من التفرقة بين علاقة البطلة به القائمة على المنفعة المادية البحتة وحبها لبوبى ( أليخاندرو نيفولا ) عن طريق إختيار توقيت مشاهد ممارسة الحب ، فإذا كانت مشاهد كوكو مع بالسان تدور دائماً فى المساء ، فإن اللقاء الأول الذى يجمعها ببوبى بعد تركها للمنزل بشكل مؤقت يتم داخل سيارته نهاراً .
كما يعانى الفيلم من بطء الإيقاع فى كثير من أجزاءه بسبب سيطرة طول الحوار وإعتماد المؤلفة عليه فى توصيل أفكارها ، ويدل المشهد الأخير والذى تتذكر فيه البطله حياتها الماضيه بشكل سريع أثناء أحد عروض الأزياء على ضعف التناول حيث أنه يقدم للمشاهد مجموعه من المشاعر التى وصلت إليه بالفعل على مدار الأحداث ، كما أنه يختزل رحلة صعود البطلة بشكل مخل ودون أى تمهيد .